إخوان الصفاء
375
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
روحانياتها ، كما أيّد اللّه سبحانه سليمان بن داود بالملكيّة ، وسخّر له الجنّ والإنس والطير والوحش ؛ وكما أيّد موسى ، عليه السلام ، بكلامه ، وأمره حتى قهر فرعون وأهل مملكته ، ورجال دولته ، واستجاب له سحرته وهم أصحاب النجامة والكهانة في زمانه ، وهم الذين كانوا يدبّرون له ملكه بما وقفوا عليه ووصلوا بعلمهم إليه ؛ فلما رأوا من موسى ، عليه السلام ، ما بهرهم نوره ، ولم يروا في علمهم أن عمله يبطل ، ولا أن ما يأتي به يتعطّل ، وأن جميع ما هم فيه من أمر فرعون زائل مضمحلّ ؛ ورأوا أن السعادات قد انصرفت مسخّرة بأجمعها لموسى وهارون ، عليهما السلام ، قالوا : « آمنّا برب العالمين رب موسى وهارون » ؛ وأن التأييد الكليّ والأمر الإلهيّ هو مصرّف تلك السعادات إلى موسى وأخيه استجابوا له وخضعوا عنده . وكذلك حال نبينا محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، لما صرف اللّه تعالى التأييد إليه ، وأنزل الوحي عليه ، خضعت له الملوك ، واستجابت له الكهنة والمنجّمون ، وهم الذين عندهم علم من الكتاب ، وآمنوا به وصدّقوا بمبعثه ، وكان هو المدبّر لهم والحاكم عليهم ، ولم يحتج إلى تدبيرهم ، وكان يأتيهم بما ليس عندهم ، وبما يخرج عن وسع طاقتهم ، وآتاهم من علم الفلك وأخبار السماء بما لم يصلوا إليه ولا قدروا عليه . فلما رأوا ذلك علموا وتحققوا أن تأييده إلهيّ وحكمته ربّانية ، وأن الأمر الذي ألقي إليه من فوق الأفلاك ومن أعلى السماوات فإنه يلقى العرش المحيط والكرسيّ الواسع . فهذه صفة الولاية العظيمة والخلافة الكبيرة التي هي خلافة اللّه تعالى ، والمستخلف بها هو النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، في زمانه ، وبهذا العقد يكون من استخلفه النبي ، عليه السلام ، من بعده إذا مضى إلى ربه ، عزّ اسمه . وهذه الولاية المخصوصة لأهل بيت الرسالة ، عليهم السلام ، لا يحتاجون فيها إلى مدبّرين غيرهم ، وإلى علماء سواهم ، ولا يطّلع الناس على أسرارهم ،